محمد جواد مغنية

363

في ظلال نهج البلاغة

اللَّه ( ص ) . كيف وهو الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور ( ولا يجبر فقده ) لأنه رحمة مهداة للعالم كله ، وقد حدد رسالته بقوله : « بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » وقال : إن مثل ما بعثني اللَّه به من العلم والهدى كمثل غيث أصاب أرضا ، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء ، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع اللَّه به الناس ، فشربوا وسقوا وزرعوا . ( أضاءت البلاد بعد الضلالة إلخ ) . . ما كان عند العرب إلا الجهل والخزي والعار حتى جاء محمد ( ص ) بالاسلام والقرآن ، فصاروا شيئا مذكورا ، قال سبحانه : * ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِه ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ والْحِكْمَةَ وإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) * - 2 الجمعة . والضلال المبين جامع لمساوئ العيوب ، أما الحكمة فيدخل في مفهومها كل خير وصلاح ( والناس - قبل محمد ( ص ) - يستحلون الحريم ) يبيحون المحرمات ( ويستذلون الحكيم ) يحتقرونه ولا يهتدون بهديه ( يحيون على فترة ) من غياب الرسل والمرشدين ( ويموتون على كفرة ) أي الكفر والضلال . . وما زالت رسالة محمد ( ص ) قائمة إلى اليوم ، والى آخر يوم تدعو إلى المحبة والإخاء ، والعدل والمساواة ، وتبارك كلّ ما فيه صلاح للناس بجهة من الجهات . ( ثم انكم معشر العرب أغراض بلايا قد اقتربت ، فاتقوا سكرات النعمة ) . كل الناس يتعرضون للبلايا والمحن ، ولا عافية من غير بلاء ، وأشد المحن أن يفرح المرء بما لديه من جاه أو مال ، ويذهب عن مصيره وعاقبته ، وقد حذر الإمام من عقبى الغفلة بقوله : ( واحذروا بوائق النقمة ) . إذا كنت معافى فاحذر المرض ، وإذا كنت غنيا فلا تنس غوائل الدهر ، وإذا كنت قويا فترقب الضعف ، وكل شيء إلى زوال ( وتثبتوا في قتام العشوة ) أحجموا عن الشبهات ، ولا تقدموا على شيء إلا بعد الروية والنظر في العواقب ، فأكثر الناس ندما من بادر من غير تثبت ( واعوجاج الفتنة - إلى - مدار رحاها ) إذا ظهرت الفتنة ، واستفحل أمرها فقفوا منها موقف الحكيم ، وعالجوها بعد البحث والدرس والتخطيط السليم . ( تبدأ في مدارج خفية ، وتؤول إلى فظاعة جلية ) . لا تظهر الفتنة على حقيقتها في البداية ، بل تتقنع بثوب الصلاح والاصلاح ، ثم تتكشف مع الأيام عن أفدح